آخر الأخبار :

قالوا في رحيل سالم يفوت.. فارس من فرسان الفلسفة في المغرب

مصطفى النحال
توفّي أوّل أمس السبت 14 شتنبر 2013، الأستاذ والمفكّر والباحث سالم يفوت بإحدى مصحات الدار البيضاء بعد مرض عضال لم ينفع معه علاج. اسم آخر يختفي من أسمائنا الفكرية الشامخة التي أسستْ للفلسفة المغربية المعاصرة. وقد ولد الفقيد في 30 يونيو 1947 بمدينة الدار البيضاء. وتابع دراسته العليا في الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط حيث حصل على الإجازة سنة 1968 ، وعلى دبلوم الدراسات العليا سنة 1978 ثم على دكتوراه الدولة سنة 1985، ليشتغل أستاذا جامعيا بنفس الكلية.
اشتغل سالم يفوت، في بداية حياته التربوية، أستاذا للفلسفة بثانوية الإمام مالك بالدار البيضاء، قبل أنْ يلتحق عام 1978 بالتعليم الجامعي للتدريس بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، حيث ترأس شعبة الفلسفة لمدة اثنتي عشرة سنة. كما انضم الراحل سالم يفوت إلى اتحاد كتاب المغرب سنة 1977، وعُرِف بحرصه على العمل المؤسسي بهذه المنظمة.
تميز المفكر سالم يفوت بإسهاماته الفكرية الوازنة ومؤلفاته المعرفية والفلسفية القيمة، فضلا عن انخراطه في تطوير الدرس الفلسفي المغربي واهتمامه بتاريخ العلوم والإبستيمولوجيا. حيثُ أشرف على العديد من الأطاريح الجامعية، كما قام بترجمة بعض أعمال ميشال فوكو، وبتنسيق عدة ندوات فكرية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط.
يعتبر الأستاذ يفوت من الباحثين الذين يكابدون في صمْت وإصرار، أسئلة قضيّة الفكر ليس باعتبارها تَرَفا بقدْر ما هي ممارسة ودماثة خُلُق وعمل دؤوب، كما يعتبر من الأساتذة الذين أرسوا قواعد الدرس الفلسفي والإبستمولوجي في الجامعة المغربية. كان الراحل ينتصر لقيم الفلسفة والعقلانية في المجتمع المغربي، وهو ما عكسه مجمل أعماله الفكرية والمسؤوليات التي اضطلع بها طوال مسيره العلمي والتربوي والجامعي.
بهذا المعنى فإنّ الراحل يفوت ينتمي إلى تلك اللحظة الجديدة للخطاب الفلسفي الحديث الذي بلْور أسئلته على مهَل، ومن خلال تفاعلها مع باقي الأسئلة التي صاغها فلاسفة آخرون خارج المغرب. يتعلق الأمْر في النهاية بأسئلة الفكر الفلسفي بالمغرب، إنها اللحظة التي بدأت تعرف فيها لغة الفلسفة تأصيل وتبيئ مفاهيم فكرية جديدة تنتمي في مجملها إلى فكر الاختلاف أو الفكر الفلسفي المعاصر. وقد تبلورت انشغالات مساره الفكري في مجموعة من المؤلفات نذكر منها:
- مفهوم الواقع في التفكير العلمي المعاصر، الرباط، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1980,
- الفلسفة، العلم والعقلانية المعاصرة، بيروت، دار الطليعة، 1982
- ابن حزم والفكر الفلسفي بالمغرب والأندلس، 1986
- حفريات الاستشراق: في نقد العقل الاستشراقي، 1989
-الفلسفة والعلم في العصر الكلاسيكي، الدار البيضاء المركز الثقافي العربي، بيروت، دار الطليعة 1990
يقول الأستاذ سليم رضوان، في شهادة عنه: « إنّ الصديق الأستاذ سالم يافوت هو أوّلا مناضل، لكنْ معه يجب دائما تحديد المفاهيم، فهو لا يستسيغ وصفه بلفظ »مناضل«. ذلك أنّ مناضلا تعني بالنسبة إلى تجربته الشخصية العمل السري. وبالتالي فالمناضل هو السّرّي وليس العلني. وبهذا المعنى فالأستاذ سالم يفوت هو مناضل أخلاقيّا، لكنه ليس مناضلا بالمعنى السياسيّ الاحترافيّ. وهكذا لمْ يتحدّث ولو مرّة واحدة في حياته بكونه كان أو مازال لا أعرف، مناضلا. أعتقد أنه سيكون سعيدا لو اتفقنا جميعا على القوْل بأنه ليْس مناضلا.
ثانيا، الأستاذ سالم يفوت من المؤمنين عن صواب أو خطأ، بدوْر الفلسفة ووظيفتها في نشْر القيم العقلانية. وهكذا كان من المُدافعين عن تدريس الفلسفة في أطوار التعليم الثانوي والجامعي في زمن كان تدريس الفلسفة مقترنا في نظر الرّجْعيّين والأصوليين بتعليم الإلحاد والتحريض على العصيان وكان الثّمن الذي يقدمه المدرّسون باهضا، فقد كانت الجمعيات الأصولية المرتبطة بالأجهزة السرية، وفي مقدمتها الشبيبة الإسلامية سيئة الذكر، تنشر الرّعب في أوساط مدرّسي الفلسفة وبصفة خاصة بمدينة الدار البيضاء، وكانت جمعية مدرّسي الفلسفة هدفا منفصلا لدى هذه الجماعة الإرهابية.
وقد كان الأستاذ يفوت أثناء تحمّله المسؤولية، سواء في الجمعية أو رئاسة شعبة الفلسفة بكلية الآداب بالرباط، مدافعا صلبا عن تدريس الفلسفة. كان الاعتقاد سائداً لدى مدرّسي الفلسفة بأنّ تعليمها سينشر العقلانية ويرسّخ الحداثة في أوْساط المتعلمين، وهو اعتقاد أثبت التاريخ بطلانه.
فبقدْر ما كان يتوسّع تدريس الفلسفة في أطوار التعليم، بقدر ما ينتشر التقليد وتترسخ اللاّعقلانية وتحكّم الأصولية.
لقد كانت القيمة الأخلاقية الثالثة التي تميّز بها الراحل هي النُّبل والأخلاق. فالأستاذ سالم يفوت لمْ يكن في يوم من الأيام طرفاً في أي صراع، سواء كان أكاديمياً أو نرجسياً أو مصلحياً يهدف فقط الى إلحاق الأذى. وهي أشكال، مع الأسف، سائدة في أوساط المثقفين. كما أنه كان يعمل في صمت بعيداً عن الأضواء وعن صفحات الجرائد. وقد حاز على جائزة المغرب دون أن يسعى إليها».
رحم الله الفقيد، وأسكنه فسيح جناته، وألهم ذويه وعائلته المكلومة الصبر والسلوان. إنا لله وإنا إليه راجعون.

هكذا يموت أستاذ الفلسفة محمد الشيخ
دفنا الأستاذ سالم يفوت مساء أول أمس السبت بعد صلاة العصر. جرت مراسيم الدفن في تواضع جم: ما حضرها سوى أهل الفقيد وثلة من زملائه وقليل من قدماء تلامذته ممن تمكنوا من الحضور. وما ضر الرجل ذلك، لا ولا ينبغي أن يضره، هو الذي جعل من التواضع سيرة له. هكذا ينطفئ العظماء في صمت وفي تواضع وفي استحياء، ولسان حالهم يردد القول الصوفي: رب إن الغمرة أحب إلي من الشهرة، وحب الانغمار أرحب لبالي من حب الظهور.
أذهلني منظر قبره وهو يوارى الثرى: حنت طينة جسده المعذب إلى طينة أرض المقبرة. فما تعرفت على جثمان الفقيد لما وضعوه في رمسه. أهو ذا، يا ترى، الرجل ذو البنية الرياضية الذي كان حضوره الجسماني يكتسح قاعة الدرس وصوته المجلجل يبلغ الداني والقاصي؟ يا للعجب، ما عاد جثمان الرجل سوى رجع ذكرى جسد قوي البنية، وذلك من أثر طول معاناته مع المرض العضال الذي ألم به. وما كان الرجل يتحدث عن مرضه أبدا أو يحدث به، ولا هو كان يشتكي من أي كان لأي كان. فلعله كان يتمثل بنصيحة نيتشه: إذا أضناك المرض فلا تحدث به، وإنما تحدث الحديث عن الصحة، حدث الناس عن صحتك ولا تحدثهم عن مرضك! أو لعله كان دائم التذكر لنصيحة سارتر إلى ألبير كامي لما هو كتب هذا كتابا سوداويا يتبرم فيه بأشد تبرم يكون من العيش: إذا تعبت، يا كامي، خذ لنفسك يا هذا قسطا من الراحة، ولا تسقط تعبك على العالم، فترسم سوادا على سواد!
أثار انتباهي رقاده تحت شجرة. قلت في نفسي: كان الرجل شجرة معرفة لا فناء لثمارها، وشجرة كبرياء وأنفة وعزة نفس، حتى أنه رفض أن يتم تعويضه عن سنوات الاعتقال والتعذيب التي طالته، وحتى أنه قليلا ما كان يذكرها، وذلك لكي لا يظهر أنه يمن بها على أبناء وطنه. وها هي الأقدار تريد اليوم أن يموت كما عاش: كان شجرة وارفة الظلال معرفة وعزة نفس، وها هي الآن شجرة تقف شامخة تحمي قبره، فليس يحمي ظهر الشجر سوى الشجر.
شموخ النفس، والتفاني في العمل، والتواضع الجم، والمعرفة الوارفة، والعطاء الذي لا ينقطع: تلك هي الدروس التي علمنا إياها أستاذنا سالم يفوت. وهي أمور لم نألفه يتحدث عنها في كتبه، وإنما شهدت عليها حياته برمتها. عاش متفانيا في رسالته، ومات من غير أن يزعج أحدا. هو ذا الموت الهنيء! وأهنأ بها من موتة!
حالنا نحن معشر من تتلمذ له أو تتلمذ على تصانيفه كحال الفيلسوف واكنين مع «شيخه» المفكر والشاعر إدموند جابيس: كان التلميذ ما يفتأ يطلب من الأستاذ أن يترك له وصية. وحدث أنه بعد أن توفي جابيس أخبرته الزوجة أنه ترك له وصية في ظرف وسلمته إياها. لكنه لما فتحها وجد فيها ورقة بيضاء لم يرقم عليها حرف. وسرعان ما أدرك الطالب أن الوصية التي أوصى إليه بها أستاذه هي أن لا وصية هناك! لم يكن يفوت يرغب في تكوين مريدين، ولا ادعى في يوم من الأيام المشيخة.
هكذا يموت أستاذ الفلسفة!

الفيلسوف القوي بسلاح المنهج محمود عبد الغني
رأيت الأستاذ سالم يفوت مرتين، وها هو اليوم يمحي جسدا وروحا فبدأت أراه مرات متكررة. فهل من صوت ينبعث من كتبه لنعود إليها ونسمعه؟ إننا دائما نرغب في العودة إلى الكلمات لترشدنا عن شيء أو رجل. لكن سرعان ما ننتبه إلى أن الكلمات لا تمثل إلا نوعا من السكوت أكثر حذقا من الصمت. خصوصا و أن المرحوم لم يترك وراءه كتابا أو نصا قليل الكلمات يدل على حياته، وإني أكاد أجزم أن عرض الحياة على الورق من الممارسات الفظيعة التي يمكن أن يعانيها قاطنو أرض الفلسفة.
في المرتين كان دائما ذا مظهر رزين. الأولى كان يريد دخول أحد فضاءات الأكل والشرب، وما أن تخطى الباب حتى تراجع وعاد من حيث جاء. والثانية قبل سنتين بمناسبة تكريم أقامته له كلية الآداب بالرباط. وكان فيها أيضا رزين المظهر. ويمكن تبرير ذلك بكون ليس هناك أعقد من الجلوس في الوسط، بين ثلة من أصدقائك وتلامذتك، وتبدأ في سماع رأيهم فيك و في كل ما كتبت، فيتبين لك أنك تسمع ركاما من الكلمات والذكريات المضجرة، خصوصا في حالة هذا اليساري القديم ( إذا كان من معنى لهذا التصنيف الفاقد للتأهيل)، والفيلسوف الفذ الذي بقي جالسا في الوسط ينصت إلى بوليفونيا أصدقائه. قلت في نفسي وأنا أتألم لقلة عدد الحاضرين للندوة التكريمية: أين طلبته ممن درسوا عليه، أو ممن ناقشهم أو أشرف عليهم؟ أين أساتذة شعبة الفلسفة؟ الأمور لا تجري على هذا النحو تماما: قلة في مقابل كثرة. فالناس ليس في رؤوسهم سوى فكرة واحدة: أنا أجدر من غيري. هذه مشكلة معروفة جدا ولا حل لها سوى تجاهلها وتركها تمرّ وتحدث في كل يوم وفي كل دقيقة.
في البداية بدا لي سالم يفوت طويل الساقين، واسع الصدر. لكن نظره ليس على ما يرام. ورأيت إلى جانبه أصدقاء العمر وقد أرهقهم العمر والمرض. هذه هي جماعة «أقلام»، المجلة الأسطورية التي أسسها محمد عابد الجابري و محمد إبراهيم بوعلو، وكتب فيها باحثون شباب في الفلسفة: سالم يفوت، عبد السلام بعبد العالي، محمد سبيلا، محمد وقيدي...المجلة التي جعلت من العلم والماركسية جناحين في الريح القوية. في تلك الفترة كانت الحرية في خطر. بقيت أنظر إليه، وفجأة لمعت في ذهني حادثة رواها لي أحد أصدقائه، وتخص سفره إلى القاهرة بدعوة من سفير المغرب هناك، وهو مفكر وزميل للمرحوم، ولم يجد سالم من ينتظره في المطار فقضى ليلته هناك. كما رأيت فيه أيضا الرجل الذي تخلى عن أهم الواجبات الاجتماعية: معاشرة الأصدقاء. وهذا التخلي يحدث عندما تتوافق ظروف عدة. مرة أخرى وأنا أنظر إليه وأستمع للعروض التي ألقيت في تكريمه، صدمني عدم وجود مجلة فكرية ناطقة باسم الفلسفة المغربية، مكافئة للمجلات الفرنسية أو الأمريكية الناطقة باسم الفلسفة أو علم النفس أو علم الأنثروبولوجيا. تلك المجلة هي الوحيدة القادرة على إظهار السمات الأصلية للبحث الفلسفي في المغرب. وقد كان إلى جانب «يفوت» من لهم الطاقة للقيام بالمشروع: محمد نور الدين أفاية، محمد الشيخ، عبد الحي أزرقان... خصوصا بعد أن بدأت الفلسفة في المغرب تدخل إلى الدوائر الباردة. إنها مرحلة غروب الشمس.
عمل يفوت طيلة مساره الفكري على إعادة الثقة بالفلسفة لجيل كامل. فهناك من ساعده على نشر كتبه في خارج المغرب، في دور نشر لها اعتبار قوي كدار «الطليعة» في بيروت. وبذلك كان يقنع الجميع بأن الفلسفة التي أصيبت بالمرض يمكن أن تعاود انطلاقها، بشرط أن تعكف على التسلح بسلاح المنهج. ومن يقرأ كتبه يستطيع الوصول إلى هذه الحقيقة الساطعة. فكتبه القليلة الورق، وارفة بالأفكار و بطرق المنهج العلمي. ولعل ذلك وراء الغنى الفكري الذي تتسم به أبحاثه، فقد حلق بعيدا عن القرون القريبة، وفي اختلاف عن المواضيع التي يتناولها الفلاسفة بالعادة: يكفي أنه درس الرياضيات وعلم الفلك في التراث العربي الإسلامي. أبحاثه غنية بخلاصات عن ماضي أمته وحضارته في حقول علمية معقدة. هنا كان يجتهد في إعطاء الامتياز للتاريخ العربي الإسلامي الذي يبدو لنا اليوم وكأنه ينتمي لعالم أسطوري. لقد كان التاريخ يثير اهتمامه أكثر من أي شيء آخر.
عاش يفوت في أيامه الأخيرة قليل النظر. ذلك معناه أنه لم يكن يقود السيارة. ومعناه أنه لم يكن يغادر البيت كثيرا. معناه أيضا أنه عاش وحيدا في بيته مع مرضه. هذه نهاية حزينة لرجل عاش منعزلا.

قــدر الازدواجية عبد السلام بنعبد العالي
شاءت الصدف أن يشرف على دبلوم دراساتنا العليا، وكذا على رسالة الدكتوراه المشرف نفسه وهو الأستاذ المرحوم محمد عابد الجابري. وقد عكست اختياراتنا ، يفوت وأنا، لموضوعات البحث تلك الازدواجية التي كانت تطبع، وربما لا تزال، البحث في جامعاتنا في مجال الفلسفة، بل ربما في ميادين أخرى. سجل الأخ يفوت دبلومه للدراسات العليا في موضوع النزعة الاختبارية في أنتربولوجية ليفي ستروس، بينما سجلته أنا في موضوع الفلسفة السياسية عند الفارابي. عند محاولة تسجيلنا لرسالة الدكتوراه فيما بعد رفض الأستاذ المشرف أن يستمر يفوت على المنوال نفسه، فقد كان على ما أذكر ينوي مواصلة أبحاثه في أبستمولوجيا الرياضيات، وخصوصا عند جان كافاييس. أما في ما يخصني فقد اقترحت على الأستاذ الجابري تغيير مسار أبحاثي للتوجه نحو الفلسفة المعاصرة. غير أن الأستاذ المشرف واجهني بالرفض أنا كذلك، بدعوى أنه لم يعد يقبل الإشراف إلا على رسائل تهم البحث في التراث الإسلامي، مما جعل المدة التي فصلت دفاعي عن دبلوم الدراسات العليا ورسالة الدكتوراه تفوق عقدا من الزمن، هذا بينما لم يجد الأخ يفوت بدا من تغيير مساره لبداية مسار مغاير، فهيأ رسالته حول ابن حزم، بمثابرة وجد منقطع النظير ، كما حكى لي الأستاذ الجابري فيما بعد، إذ أن يفوت اضطر على ما يبدو إلى إعادة كتابة رسالته ثلاث مرات، من بدايتها إلى نهايتها وكل مرة في شكل جديد. نقطة التقاء إذن كانت تجمع بيننا ، الأستاذ يفوت وأنا، هي هروبنا معا إلى مجال الفلسفة الأوروبية، هو بعدَ أن جربها في البحث في الدبلوم، وأنا بعد أن خبرت الصعوبات التي يطرحها مجال الفلسفة الإسلامية. أعود بكم إلى هذا الماضي ليس فحسب بقصد التذكير بالصعوبات التي كانت تواجه الأستاذ والطالب بحثا وإشرافا، وإنما أساسا بهدف إعطاء مناسبة التكريم معنى فلسفيا وإثارة قضية هامة من القضايا التي تشغلنا وأعني تلك الازدواجية التي أشرت إليها، والتي مازالت تتبدى لنا في مقرراتنا التعليمية وفصول دراساتنا و مجالات أبحاثنا. تكلمت عن ازدواجية، وربما هي أكثر من ذلك. إنه الانفصام الذي يطبع أبحاثنا، والذي يجعلنا في دراساتنا في مجال ما عهدنا تسميته بالدراسات الإسلامية نتحول في الأغلب الأعم، إلى مجرد مؤرخين نسرد الحكايات، ونستعرض الآراء، ونحصي الفرق، وحتى إن أثرنا ما يمكن أن يعد من قبيل إعمال الفكر، فغالبا ما يكون ذلك مقارنة بمفكر غربي عسى أن نجد في تراثنا ما يمكن اعتباره سبقا في هذا المجال أو ذاك. عقلية مغايرة نتقمصها إن نحن حاولنا البحث في مجال ما عهدنا تسميه فلسفة أوروبية. هنا تتحول أساليب البحث وتتغير مناهج الدرس والتدريس، فنشعر أن علينا مقارعة أفكار ومقارنة مواقف. هنا يعمل الفكر عمله، أو على الأقل يحاول ذلك ما أمكنه فيجهد نفسه لتوليد الأسئلة، وعقد مقارنات. وحتى إن تحولنا إلى مجرد مؤرخين فلن يكون ذلك وفق منحى كرونولوجي يقسم التاريخ إلى أدوار متعاقبة، وعهود متلاحقة، يتوحد فيها التاريخ السياسي مع التاريخ الأدبي وتاريخ الأفكار، وإنما نحاول تاريخا صقلته الأبحاث الإبستيمولوجية، ومحصته الدراسات التاريخية. فإن كان ما يطبع هذا الشكل الثاني للتأريخ هو البحث عن القطائع، ورصد نقط التحول ولحظات الانعراج والوقوف عند العوائق« والحدود« والانفصالات«، ، فإن تأريخنا لتراثنا الفكري غالبا ما يطبعه الوصل، بل الرغبة الدؤوبة في إعادة ربط الصلة والبحث في الماضي عما يشكل جذور الحاضر وأصول الأفكار. إنه تأريخ يخلو، على حد تعبير الأستاذ يفوت نفسه، من »الأسئلة القلقة التي رافقت الثورة المتعلقة بالمناهج التاريخية في مجال دراسة العلوم« ( نحن والعلم ص8).(*) من حسن الحظ أن هناك من حاول التمرد على هاته الرؤية الانفصامية، وفي أقسام هاته الكلية بالضبط، وهذا ليس في مجال الفلسفة وحده، بل حتى في الدراسات النقدية والأبحاث التاريخية. هذا التمرد ذاته هو ما سيطبع في ما بعد دراسات أساسية حاول فيها الأخ يفوت، بعد أن اجتاز صعوبات البحث الأكاديمي، وتحرر من العقبات التي يقيمها ضد البحث، حاول أن يتعامل مع بعض مجالات ما يمكن نعته بالإنتاج العلمي في الثقافة العربية معاملة مغايرة، تعيد النظر في مفهوم تاريخ الأفكار، بل في الهدف من دراسة الإنتاج العلمي ذاته، وفي الدور الذي كان لذلك الإنتاج في سياق الثقافة العربية الإسلامية، اقتداء بأبحاث رشدي راشد ، كي تعيد الاعتبار للعلم العربي ضمن تاريخ العلم، وتتحرر من هوس الاهتمام بالتراث بهدف تجميع ما يمكن أن يكون إثباتا لسبق تاريخي أو بحثا عن نظائر أوروبية. للتدليل على شيء من هذا، أستأذنكم أن نتوقف قليلا عند كتيّب قد يبدو لحامله صغير الحجم، إلا أن قارئه سرعان ما يتأكد من أهميته، بل ربما جدته وطرافته. أشير هنا إلى الكتاب النظري التطبيقي نحن والعلم: دراسات في تاريخ علم الفلك بالغرب الإسلامي، الذي يقف عند ما يمكنااعتباره تمهيدا قام به المفكرون والعلماء المغاربة والأندلسيون، برز في النقد الذي وجهوه للنظرية الفلكية البطليموسية. فمن المعروف أن علم الفلك اتخذ منحيين: منحى أرسطيا هو استمرار لنظرية أدوكسوس، يركز على البعد الكوسمولوجي من خلال البحث في ماهية السماء والنجوم، وشكل الأجرام وحجمها ونظامها وتحديد العلة أو القوة التي تؤدي إلى إنتاج معلول معين؛ ثم منحى بطليموس سليل أبولونيوس وهيبارخوس، يركز على الجانب الرياضي. حاول الأستاذ يفوت في كتيّبه هذا أن يبين »الطابع التجديدي النقدي المميز لعلم الفلك لدى بعض الأندلسيين« (ص 68 ) وذلك في إطار الصراع بين الفلك الأرسطي والفلك البطليمي. فوقف عند ابن طفيل وابن باجة، وابن رشد، ونور الدين البطروجي، هؤلاء المفكرين والفلاسفة الذين »بلوروا في الغرب الإسلامي تقليدا فلكيا معاديا لبطليموس ولعلم الفلك التعاليمي الذي لا يولي عناية لكيف الأشياء، بل لمقاديرها وصيغها الحسابية« (ص32). فحاولوا »ملاءمة علم الفلك للأصول الفيزيائية الأرسطية« )ص39). توقف المؤلف على الخصوص عند مساهمة البطروجي الذي قام بـ«نقض نظرية بطليموس من أساسها« )ص37) ، فأحدث زوبعة كبرى في عصره مما جعل إسحاق الإسرائيلي الطليطلي يلقبه »بمزعزع نظرية الأفلاك ومخلخل علم الفلك« )ص38).كما توقف عند ابن رشد ليشير الى أن صاحب الشروح إن كان في بداياته العلمية مناصرا لصاحب المجسطى، فإنه ما لبث أن تراجع عن مناصرة بطليموس وقت شرحه لكتاب في السماء لأرسطو، كي يبين نقائص علم الفلك البطليموسي، وذلك من خلال ربط علم الفلك بالفيزياء الأرسطية، وهذا ما يفسر رفضه لاتجاه أصحاب التعاليم، معتبرا النظرية الفلكية تصويرا للواقع وانعكاسا للعالم كما هو، لهذا فهي ملزمة بأن تستند في مسلماتها إلى مبحث الطبيعة، وليس إلى مبحث التعاليم فقط، ومبحث الطبيعة الحقيقي هو »النظرية الأرسطية الطبيعية في أسسها العامة مع تعديل صورة العالم السماوي، وتخليصها من الزوائد التي أثقلها بها بطليموس« ص41). لهذا يعترض بن رشد على فرضية بطليموس القائلة بأن »الأرض لا توجد في الوسط تماما« ص41). مع بن رشد إذن أصبحنا أمام موقف كوسمولوجي يعمل على مطابقة علم الفلك لصورة »العالم السماوي في كليته وطبيعته« ص42). وقد كان للموقف الرشدي هذا امتداد أوروبي فشروحه على السماع الطبيعي والسماء والعالم التي ترجمها إلى اللاتينية ميشال سكوت، عرفت انتشارا واسعا في أوساط العلماء الأوروبيين، ونبهتهم إلى ضرورة إعادة النظر في علم الفلك، بل أكثر من هذا طرحت »ضرورة الفصل بين الاعتبارات اللاهوتية والاعتبارات الطبيعية، والتمييز بين الدين والفلسفة، بما في ذلك الفلسفة الطبيعية«( ص43). وهكذا فـ »بانتقال أفكار بن رشد والبطروجي الفلكية إلى صقلية، دخلت أوربا اللاتينية عهدا جديدا اتسم ببداية مراجعة للأفكار البطليموسية القديمة« (ص63)، وغدت انتقاداتهما في ما بعد محط اهتمام من طرف الدوائر العلمية الجامعية، وخاصة جامعة »كراكوفيا« ببلونيا موطن كوبرنكوس في القرن الخامس عشر. ويتمثل الانتشار الواسع للأفكار التي قدمها فلاسفة وعلماء المغرب والأندلس، في كون أستاذ كوبرنيكوس الذي درس على يده شرح السماء والعالم كان على »دراية جيدة.. بأفكار ابن رشد والبطروجي في نظريته في الاندفاع أو القوة الدافعة والتي كانت رائجة كذلك في »كراكوفيا« وكان يتولى تدريسها وشرحها سنة 1493 ميشال البريسلوي(ص43). وبعد... سمحت لنفسي بهذا الاستطراد والتوقف قليلا عند كتيّب الأخ يفوت لأعطي مثالا عن الجهود التي بذلها في مجال تاريخ العلم العربي، مستفيدا من اهتمامه بالتراث العربي الإسلامي، وانفتاحه على مستجدات الفكر المعاصر، وتطورات الدراسات في تاريخ العلوم، وربما لأطمئن روح أستاذنا المرحوم، بأن هروبنا من الدراسات التراثية وهروبنا إلى الفكر المعاصر، لم يكن لهما أن يبعدانا لا عن هذا ولا عن تلك، ولا عما كان يراه هو السبيل الأنسب لكل نهضة فكرية، ذلك السبيل الذي شاءت الأقدار، وأكاد أقول من حسن حظنا، ألا يكون إلا مزدوجا عسيرا مركبا، إذ أن الازدواجية إن كانت قدرنا ولعنة حلت بفكرنا، فهي أيضا خلاصنا وسبيلنا إلى التحديث، شريطة ألا ننظر إليها بطبيعة الحال على أنها مجرد ضم لنوعين من الاهتمام وجمع بين ميدانين. الأمر يمكن أن يقاس هنا على الازدواجية اللغوية التي ليست، كما نعلم، تساكنا بين شكلين للأحادية اللغوية Deux monolinguismes. إن الأمر لا يتعلق هنا بالبحث في أحد المجالين، ثم البحث في الآخر، وإنما بالبحث في هذا وبهذا عند البحث في ذاك.
من شهادة ألقيت في تكريم سالم يفوت
في يناير 2012

االملف من إنجاز مصطفى النحال ونشر بالاتحاد الاشتراكي




نشر الخبر :
عدد المشاهدات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاته،وتجنب استعمال الكلمات النابية أو الحاطة للكرامة الإنسانية.